الاتحاد المتوسطي وجغرافية الاغلاق

 

 

الاتحاد المتوسطي وجغرافية الاغلاق

رضا بن كيران



 

 
07/2008   مركز الجزيرة للدراسات
 

خلاصة

بعد لحظة الضجيج الذي احدثته ولادة اتحاد منطقة البحر الأبيض المتوسط في الساحة العالمية خلال العيد الوطنى الفرنسي وعروضه العسكرية، كان من الصعب على علماء الاجتماع والباحثين والمراقبين الآخرين من المجتمع المدني تحديد الغرض من هذا الإعلان والعرض السياسي المصاحب له.

تتناول ورقة تقدير الموقف هذه تناقض حلم ساركوزي باتحاد متوسطي مع حقيقة افعاله واقواله. كما تعكس الى حد ما موقف علماء الاجتماع والمثقفين من كلا الجانبين في البحر الابيض المتوسط، اولئك الذين يعارضون الزعماء السياسيين في بلدانهم، واولئك الذين لا يشعرون بارتياح لفكرة 'الاتحاد' اخذين في اعتبارهم الفوارق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في المنطقة. وبما ان فرنسا تقود هذا المشروع السياسي الذي تنطوي تحته عدة ملايين نسمة، فإن كثير من المراقبين يساورهم الشك في طموحها ان تنجح بشكل منهجي خارج السداسي فيما فشلت في القيام به داخليا تجاه سكانها من اصل جنوب البحر الابيض المتوسط.

هذه الورقة تبين ان حداثة هذه العملية السياسية المدعومة من قبل الاتحاد الاوروبي قد تكون، للأسف، نهج تسويقي للمشاكل القائمة اكثر منها اجراءات تحويلية ومبتكرة من شأنها أن تجعل منطقة البحر الأبيض المتوسط اكثر ملائمة لسكانها.

…………………………………………………………….

 

'لا ينبغي للكيانات ان تندمج دون ضرورة'

اوكام
 

الاتحاد بوصفه فكرة تقسيمية

 وعلى الرغم من انعقاد مؤتمر قمة باريس حول اتحاد لمنطقة البحر الأبيض المتوسط في 13-14 تموز / يوليو 2008، فإننا لا نعرف على وجه الدقة ما اذا كان هذا التجمع المدهش لرؤساء الدول سوف يعزز الاتحاد الاوروبي او يعمل على تقسيمه اكثر فيما يتعلق بسياساته العامة اتجاه الجنوب. كما لا ندري الى متى سيظل هذا المقترح، وليد اللحظة، للاتحاد قائما بعد رحيل الرئيس الفرنسى الحالى – على الارجح في عام 2012 – والذي حظي بتراجع غير مسبوق لشعبيته في استطلاعات الرأي بعد عام واحد من نجاحه في الانتخابات. ولكن الأمر المؤكد هو أن بلدان جنوب البحر الابيض المتوسط قد خضعت لتسويق سياسي ثقيل عندما كانت تسعى عبثا لتحقيق رؤية محتملة لاستراتيجية وجغرافية سياسية من شأنها ان تنشئ الاستقرار والاستدامة في المنطقة. وبالحديث عن الاستقرار، فأن المسألة الفلسطينية – الاسرائيلية ستكون هي القضية الرئيسية في أي مؤسسة سياسية اقليمية في منطقة البحر الابيض المتوسط. وما لم يتم التوصل لاتفاق سلمي نهائي، فسيظل هذا السرطان الاسرائيلي- الفلسطيني أم لجميع الصراعات في المنطقة، كما سيظل السعي من اجل الأمن والاستقرار والرخاء في منطقة البحر الابيض المتوسط غير مجدي. وعلى كلٍ، فإنه يمكننا، في اخر المطاف، ان نحكم على مدى اهمية هذا الطموح المدهش لمبادرة البحر الابيض المتوسط من منظور القضية الفلسطينية.

من الملاحظ في اواخر كل عقد او نحو ذلك، وجود ارتفاع كبير من الاهتمام والتركيز السياسي الخاص على حوض البحر الابيض المتوسط. قد لا يستغرق ذلك وقتا طويلا، ولكن من المنطقي ان نأخذ بعين الاعتبار استمرار الصراعات والحروب التي أثرت تأثيرا بالغا في تنمية هذه المنطقة خلال الستون عاما الماضية. وكلما عاد محور الاهتمام الى الظهور على السطح في الساحة الدولية، نجد كل امة من الامم المحيطة بهذه المنطقة قد تحولت فجأة عن مشاكلها الداخلية ومنازعاتها الخارجية وتجمع زعماءها السياسيون في محاولات للوصول الى أعلى مستوى من الاستيعاب واعادة التفكير في تلك المنطقة المتعددة الشعوب والمختلفة الاهتمامات لاعادة تأطيرها في هيكل عام على اساس القيم المشتركة والماضي العريق. وقد يتكرر هذا النمط بحيث يتوج هذا التركيز المفاجيء عادة بعملية مؤسسية تؤدي بمجرد اطلاقها الى انخفاض في الاهتمام، وتتدفق الاموال على اعداد  لا تحصى من برامج التعاون، وتتلاشى بسرعة كبيرة الرؤية المستقبلية والارادة السياسية التي من المفترض ان تدعم تلك البرامج. ومن ثم تمر عشر سنوات، وتثار قضية ارساء الهوية المشتركة لحوض البحر الأبيض المتوسط وتبدأ الدورة من جديد.

ولا يعد هذا المشروع (المعروف سابقا باسم "اتحاد البحر الابيض المتوسط"، و"نقابة البحر الابيض المتوسط" في وقت لاحق) الذي انشيء بمبادرة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي استثناءً من هذا المنحى التاريخي المتكرر. ولكن التركيز هذه المرة على افتراضية الاتحاد السياسي يثير المزيد من التساؤلات والشكوك عن السبعة عشر دولة المطلة على تلك المنطقة الملوثة والمتهالكة. فقد يخيل للمرء، مع اعادة اطلاق دورة جديدة في البحر الابيض المتوسط فيما بعد الحرب الباردة، ان نضوج سياسي فعال قد ادى الى ظهور هذا الاقتراح على سوق السياسية الدولية. وعند هذه النقطة، من المهم ان نذكر السياق الذي انبثقت منه فكرة هذا الاتحاد السياسي. فقد برز ما يسمى ب 'باتحاد البحر الابيض المتوسط' قبل سنة خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية (نيسان / ابريل – ايار / مايو 07)، عندما طرحه ساركوزى خلال حملاته الانتخابية الرئاسية كحل بديل لمعارضته لترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي. وهنا يكمن المنشأ الحقيقي لتلك الفكرة الغريبة لانشاء اتحاد غير متوافق جغرافيا، اضافة لازدواجية البرامج الحالية للاتحاد الاوروبي. بالنسبة لساركوزي، هذا الاقتراح، وحالما يحظى بدعم من الاتحاد الاوروبي، سيتيح ميزة حل المعضلة التركية لمن يميل الى الاعتقاد بأنه من اصل 72 عضوا، هنالك عضو واحد (غير يهودي – مسيحي) لا يملك مكانه في النادي الاوروبي. وعلى الرغم من ان الرئيس الفرنسي يتذرع بالعوامل الجغرافية، الا ان عوامل دينية وثقافية هي التي تدفع وجهة نظره في الاصل.

جغرافية الاغلاق وسياسة الاقصاء

 بغض النظر عن جميع الأفكار السياسية التي تم تسويقها  لجنوب المتوسط فيما يتعلق بأهمية العلمانية من اجل الاستفادة من دول قومية كاملة الديمقراطية، وبما تمت مطالبتها بضرورته كالتمييز بين السياسي والديني و / أو المجالات الثقافية. فقد طرح، لمرة واحدة في احدى الندوات حول التراث المسيحي الاوروبي والتي شارك فيها البابا بحماس، هذا الاتحاد السياسي الغريب الذي يجمع بين اقلية اوروبية (برؤسائهم الشعبيين) وبين دول البحر الابيض المتوسط القديمة والفقيرة (بحكامها المتسلطين) بطريقة تجعل مفهومه مقبولا. وفي الواقع، فمنذ اللحظة التي بدأ فيها القادة السياسيون بالحديث عن رغبتهم في ادراج الهوية الدينية المسيحية في الدستور الاوروبي، بدأ الاتحاد الأوروبي يظهر انتماءه الى الاقليات الدينية والثقافية، وكذلك الى الثمانية ملايين مهجر من اصل جنوب البحر الأبيض المتوسط.

لأنه من غير الممكن بالنسبة لساركوزي قبول تركيا بسهول كدولة عضو في الاتحاد الاوروبي، وقال انه يفضل ان يفكر في ايجاد نادي سياسي لدول حوض البحر الابيض المتوسط، وهو كيان يجمع تركيا وغيرها من المرشحين المحتملين لعضوية الاتحاد الاوروبي (المغرب) او شريكا متميزا (تونس) من الحدود الجنوبية للبحر الابيض المتوسط، بحيث يمكن لهذه الدول ان تتطور في خط مواز بدلا من البحث عن مستقبلها داخل او خارج الاتحاد الاوروبي. وهنا يتجلى الوجه الحقيقي لهذا المشروع. ويبدو انه من غير الكافي ان يقوم خط ترسيم الحدود بحماية الفضاء الاوروبي (الشنغن) من الهجرة الوحشبة من الجنوب، ولا يكفي ان يقوم الحرس المدني الاسباني برصد الساحل الجنوبي او يقوم رجال الدرك الايطالي بمطاردة سرية من المهاجرين الافريقيين، كما لا يكفي ان يطلب الى السلطات التونسية والمغربية القيام بالاعمال القذرة لاحتواء المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى وشمال افريقيا، فقد حان الوقت الآن للقيام بأمر يعادل كل ذلك، من شأنه ان يمنع تلك الدول من البحث عن الدمج او الحصول على مركز متميز في الفضاء الاوروبي. والأوروبيون، بالرغم من حديثهم عن حقوق الانسان والسلام العالمي، ما زالوا قاصرين سياسيا برفضهم اعتماد اي شكل من اشكال الحماية الاقتصادية للدفاع عن الملايين من الوظائف المهددة تهديدا مباشرا بسبب كمية ونوعية الخدمات والسلع التي توفرها الهند والصين، فقد قرروا حماية انفسهم من السود اولا، ومن البربر والبدو الذين يؤمنون بعقيدة معروفة رسميا باعتبارها دين الكراهية.

  – والذي هو، قبل كل شئ، حيوان سياسي وخبير تكتيكي –
اولئك الذين يعرفون الى حد قليل نسب ساركوزي السياسي، وعلى وجه الخصوص كم الافعال الاستفزازية والكلمات الهجومية تجاه العرب والمسلمين والافارقة (مثل حديثه الفاحش في داكار)، سوف تبدو لهم فكرة ترويجه للاتحاد بين دول شمال وجنوب البحر الابيض المتوسط امر سريالي. اذ كيف يمكننا ان ننظر بجدية في أي اقتراح لاتحاد سياسي بمثل هذا التسرع وعدم الاتساق من شخص معروف بهجائه العنيف للمواطنين الفرنسيين من اصل عربي ومسلم، ويندد باستمرار في الساحة الدولية بحزب الله وحماس واصفا اياهم بالمنظمات الارهابية، واسوأ من ذلك، فهو من المؤيدين لاتخاذ رد فعل عسكري ضد برنامج ايران النووي؟ وهو الذي صرح، في مناقشة تلفزيونية عن الديانة الوطنية الثانية، انه لا يمكن التسامح مع 'الممارسات الدينية' مثل الختان للنساء وذبح الاضاحي في دورات المياه!. كيف يمكن ان نثق في ان هذا الرجل يستطيع ان يعزز السلام والاستقرار خارج فرنسا، بينما كان هو المسئول جزئيا عن ثورة الشباب الفرنسي فى تشرين الثانى / نوفمبر 2005 ، عندما وصف كوزير للداخلية الحرفيين الصغار الذين يعيشون في الضواحي (بالزبد او الرعاع) وأن فرنسا بحاجة الى التنظيف منهم. كيف يمكننا ان نصدق انه يستطيع ان ينجح في ادارة اي شكل من اشكال الحوار بين الاديان، عندما نعرف دوره ومسئوليته في اضفاء الطابع المؤسسى، وتطبيع المجلس الفرنسي للطائفة المسلمة (CFCM)، وهو الهيكل الرسمي الذي يمثل الاسلام ويعتبر ساحة المعركة السياسية للمغرب والجزائر، والذي فشل للأسف في تمثيل مسلمي فرنسا وتلبية احتياجاتهم الديمقراطية؟ أي نوع من الحوار بين الثقافات يمكن ان يشجعه وهو من اخترع ونفذ — على الرغم من المعارضة الواسة النطاق — الوزارة الفرنسية للهوية الوطنية والهجرة، وهي أداة حكومية مصممة خصيصا للتعامل مع مسألة "الاخرين" و"اللا هوية" التي تواجهها فرنسا؟ ولكي نكون فكرة عن عمق المعرفة الجغرافية السياسية لساركوزي، يمكننا ايضا ان نذكر انه، على الرغم من اثارته، كلما امكنه ذلك، لخطر تحالف موضوعي بين الاسلام والارهاب، الا انه لم يستطع الاجابة في مقابلة اذاعية شهيرة على سؤال ما اذا كانت القاعدة هي منظمة سنية ام شيعية. فساركوزي سيظل جاهلا بالفروق الثقافية والسياسية الدقيقة؛ وليس لديه أي مبدأ آخر سوى مجاراة التسويق والافكار العصرية؛ وهدفه الوحيد هو الظهور دائما على سطح الأحداث، على مدار الاربعة وعشرون ساعة في وسائل الاعلام. ولكنه قد اثبت تفوقه في جانب اساسي واحد، هو مقدرته على خلق الانقسامات في المسرح السياسي والثقافي من بعده. ومن ثم لا غرابة في ان نراه يحاول ان يقوم على الصعيد الاقليمي في اوساط الفقراء والضعفاء من اصول البحر الابيض المتوسط ما لم يستطع القيام به في الساحة السياسية الوطنية الفرنسية، وهو زرع خوارزميته: 'التوحيد لأجل  التفريق ومن ثم الحصول على سيادة افضل'.

فرنسا بوصفها قائدا لأمم المرتبة الثانية من الاتحاد الاوروبي – المتوسطي.

 باعتبار أن فرنسا هي المروج والمسوق لمشروع الاتحاد هذا، كيف بإمكاننا ان نزيل ذلك الرصد النمطي لفوبيا الاسلام– الذي يبدو انها اصبحت، منذ 11 ايلول / سبتمبر، الرياضة المفضلة للمثقفين الفرنسيين – والتي عبر عنها في اعلى المستويات السياسية الوطنية عندما، على سبيل المثال، اعرب احد المرشحين للانتخابات الرئاسية الاخيرة انه استند في حملته برمتها على القضاء على 'تفشي فكرة أسلمة فرنسا'، مستخدما وصفته السحرية 'الاسلام هو الاساس للتطرف الاسلامي، والتطرف الإسلامي هو الاساس للارهاب'. اما الحقيقة المحرجة فهي أن 12-15 مليون مسلم في اوروبا هم يهود القرن الحادي والعشرين. وبنفس الطريقة التي تحمل بها المواطنون الاوروبيون من اصل يهودي المسئولية عن الازمة المالية والاقتصادية التي حدثت في ثلاثينيات القرن الماضي (عندما كانت في الواقع الاغلبية الساحقة منهم فقراء)، يعتبر الأوروبيون المسلمون اتباع دين مسئول عن جميع اعمال العنف المعاصرة على الارض. قلة  فقطمن الاوروبيين ينظرون الى هذا الاتهام باعتباره نوع غير مقبول من العنصرية، ويميل معظم المراقبين الى التخفيف من وجهة النظر هذه من خلال اظهار ان هناك شريحة جيدة من الاوروبيين المسلمين وأخرى سيئةللغاية وهي  تلك التي تشارك في الاسلام السياسي. كيف يمكننا أن نجعل قادة الرأي العام الاوروبي يدركون ان الاسلام السياسي هو مفهوم واسع ومتنوع (من المحافظة الى الليبرالية، من التطرف الى العلمانية) تماما كما هو الاسلام واسع وعميق، متنوع الثقافات ومتعدد اللغات، ومتنوع دينيا في كثير من المدارس الفكرية والقانونية. كيف يمكننا ان نجعلهم يدركون ان الدوغماتية تكمن ايضا في تصورهم للمسألة الاسلامية المعاصرة، في أعين المراقبين؟

والحقيقة هي ان العالم متعدد الثقافات ومتعدد الاقطاب ولا يحتاج لوجهات النظر الفرنسية حول العولمة، لأنه في الواقع، قيم الحرية والمساواة والاخاء – والتي لم تطبق يوما على سكان المستعمرات — لا تطبق اليوم حتى بالنسبة للمواطنين الفرنسيين من اصول افريقية وجنوب متوسطية. فرنسا لم تقدم اعمال تاريخية واضحة وحاسمة لإعادة النظر في دورها التاريخي المخذي في الرق والاستعمار، وغير قادرة في الوقت الحاضر على مواجهة التحدي المتمثل في التنوع الثقافي في عالم متزايد التعقيد.

 وفي جو عام من الركود المالي، وذروة أزمة النفط، والاعتداء الاقتصادي من شينديا، والشيخوخة الديموغرافية، نجد المثقفين الاوروبيين يحاولون تفهم التعقيدات والتعددية في المجتمعات الاوروبية من حيث 'الذاتية' و 'غير الذاتية'، ' نحن' و' هم '، والتعرف على كبش فداء بين الاقليات الدينية او المهاجرين وإسنادهم دور الضحايا التي تدفع ثمن جميع الشرور الحالية. كلما قام السياسيون الاوروبيون – الذين يتوجب عليهم الاخذ بعين الاعتبار الوزن السياسي لليمين المتطرف من الناخبين – برفع شعار البحر الأبيض المتوسط، فانهم لا يفكرون على سبيل المثال في الاسلام باعتباره ماضي وربما مستقبل مصفوفة من التبادل بين الثقافات والاديان، الفلسفة، العلوم، التكنولوجيا والفن. بالنسبة لهم، هو دين خمس سكان العالم الذي يستدعي في المقام الاول العنف، الارهاب، والمتعصبين الملتحين والمحجبات أكثر من أي شيء آخر.

  في هذا السياق المظلم، من السهل ان نستنتج ان الفكرة وراء منطق الاتحاد الأوروبي – المتوسطي هي انشاء منطقة عازلة، بحيث يتم فيها استيعاب عدد معين من المخاوف والتهديدات والتأثيرات الثقافية والسياسية للإسلام (وهي امر ثابت يدعو الى المقت، والنفور والسحر)، وحيث يتم احتواء الضغط السكاني الوارد من الجنوب (300 ملايين من المواطنين العرب الذين يسعون سعيا حثيثا لايجاد بدائل موالية لانظمة الغرب الاستبدادية) ، وكذلك الضغط السياسى والاقتصادي من الصين والهند. في الواقع، يمكننا ان نقدم هذا الاتحاد 'الحلم' كمشروع مترتب على صدام هنتنغتون الحضاري. والأهم من ذلك، فإن حلم ساركوزي مكرس لتمثيل البحر الابيض المتوسط بالحد الفاصل بين الشمال والجنوب، العالم القديم والجديد، المتحضر والبربرية الجديدة – كما وصفت في كتاب (الامبراطورية والبربرية الجديدة) للمؤرخ جان – كريستوف رافين (السفير الفرنسي الحالي في السنغال).

وسياسة ساركوزي، والتي تبدو كنسخة متأخرة وبالية من سياسات ازنار وبرلوسكوني الليبرالية والمحافظة الجديدة والموالية للولايات المتحدة، تقود فرنسا لتصبح تابعا للولايات المتحدة ووكيلا متحمسا لاوروبا الاطلنطية. وفي هذا السياق، فإن "اتحاد منطقة البحر الأبيض المتوسط" يبدو مثل تسويق لعملية تحويل كبيرة لصرف الانظار عن مكافحة ما تبقى من الاتحاد الاوروبي الاطلنطي والهيمنة الامريكية فى العالم العربى.

ولأن فرنسا اصبحت — عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا – قوى من المرتبة الثانية، ولأنه لم يعد لديها الوسائل الايديولوجية لمواجهة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في اوروبا وافريقيا والشرق الاوسط، فإن احتمالية التطور الوحيدة لها هي ان تصبح زعيم بلدان الدرجة الثانية في جنوب وشرق أوروبا. و"اتحاد دول البحر المتوسط" هو نوع الكيان الوحيد الذي يمكن أن يسمح لها بلعب مثل هذا الدور على المسرح العالمي.

الاستغناء عن عملية برشلونة، ازدواجية في برامج اليوروميد القائمة

 ساركوزي يدافع عن فكرة تبدو تافهة الى حد مثير للشفقة — ولكن ايضا من اعراض الوعي الاوروبي الحالي بشئون العالم — ان الاتحاد الاوروبي كله يؤيدها، فقط لأن فرنسا هي رئيس المجلس الاستشاري الاوروبي. المانيا، وهي واحدة من كبار المساهمين الماليين في دول الاتحاد الأوروبي، اتحذت حتى وقت قريب جدا جانبا من مبادرة ساركوزي الشخصية: فالحكومة الالمانية تنظر الى هذه الفكرة بوصفها عاملا من عوامل الانقسام داخل الاتحاد الاوروبي. وترى اسبانيا التي كانت تشارك في عملية برشلونة الامر نفسه. ولكن المانيا حققت نجاحا في محاولة لاعطاء المزيد من المضمون لهذا المفهوم المفرغ للاتحاد بممارسة الضغط على بلدان منطقة البحر الأبيض المتوسط من أجل تحقيق الأهداف الرئيسية لبرامج عملية يوروميد برشلونة.

 وتعد اول عملية مؤسسية حقيقية هامة حول رؤية سياسية طويلة المدى لمنطقة البحر الابيض المتوسط هي في الواقع المؤتمر الاوروبي المتوسطي الذي عقد في برشلونة في 27-28 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 والذي نتج عنه تطلع لشراكة اوروبية – متوسطية عرفت باسم 'عملية برشلونة'. هذه العملية التي تعين عليها تحقيق ثلاثة اهداف رئيسية (الاستقرار السياسي والامن، والرخاء المشترك والتفاهم الثقافي المتبادل) عملت على تعريف العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين بلدان الاتحاد الأوروبي ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط. تضم هذه الشراكة الاوروبية – المتوسطية 35 عضوا (25 دولة من الاتحاد الأوروبي و 10 دول من جنوب البحر الأبيض المتوسط) كما تسخر عدة مليارات يورو في برامج متنوعة لتنمية التعاون بين الشمال والجنوب.

في الوقت الذي انطلقت فيه عملية برشلونة، صاحبتها موجة هائلة من التفاؤل، على الرغم من الازمة اليوغسلافية والحرب الاهلية الجزائرية. كما علقت على عملية أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والسلطات الاسرائيلية في بدايتها العديد من الامال. وفي هذا السياق، يبدو من الموضوعي تصور أنه اذا كانت اهم الصراعات في منطقة البحر الابيض المتوسط تحل عن طريق جهود سياسية، فإن رؤية جمع شمل الدول المتاخمة عبر قيم واهتمامات مشتركة سوف تصبح حقيقة واقعة. ولكن فشل عملية السلام وبداية انتفاضة الاقصى ادى الى وأد عملية برشلونة.

إذن فما يقدمه ساركوزي في الوقت الراهن كأولوية، هو الى حد كبير – وبفضل قوة ومثابرة المستشار الالماني انجيلا ميركل وجهودها المبذولة – عبارة عن تكرار لعملية برشلونة وازدواجية في البرامج القائمة. ويمكن للمرء ملاحظة أنه خلال مؤتمر القمة لرؤساء الدول، كان التركيز على الرؤية السياسية اقل منه على مشاريع محددة حول الامن ومكافحة الارهاب والتجارة والهجرة وقضايا الطاقة وسياسة المياه وطرق الملاحة البحرية، وهذا يبين بوضوح أن فكرة ساركوزي الاولى للاتحاد قد تراجعت بعد المفاوضات ولكنها لا تزال تتردد في الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي.

الفشل والعنف في منطقة البحر الابيض المتوسط

في كل صيف، يتدفق الملايين من السياح نحو شواطئ البحر الابيض المتوسط بحثا عن المتعة والترفيه. اما بقية العام، فتحتفل أوروبا بMare Nostrum في المتاحف واللقاءات العامة. ويمكن من خلال البطاقات البريدية والفهارس السياحية التي تعكس الماضي المجيد المتعدد الثقافات، أخذ نظرة خاطفة على الفضاء المتوسطي وتحديد طبيعة مشاكله وانقساماته السابقة والحالية.

وخلال العقد الدموي في التسعينات، شهدنا انهيار يوغوسلافيا السابقة الذي نتج عنه تطهير عرقي ومذابح للمسلمين الاوروبيين على نطاق لم يسبق له مثيل. ولا تزال اوروبا الشرقية تحت صدمة التدمير لهذا التنوع الثقافي الفريد. اليونان لم تحل صراعاتها مع جارتها تركيا التي لا تزال — حتى في ظل حكومة اسلامية — حليفا اطلنطيا غير مشروط، وما زالت تلاحق — وربما حتى ضد مصلحتها الذاتية — محاولات الاندماج في الاتحاد الاوروبي مع الحفاظ على مستوى عال من التعاون مع اسرائيل (ولا سيما في قطاع الطاقة وفي اطار مشاريع خطوط متعددة من تحت الماء لمد أنابيب النفط الخام والغاز الطبيعي والمياه العذبة والكهرباء) التي قد تكون السبب في الحروب المقبلة مع الدول العربية. كما تم عزل سوريا بصورة منتظمة تحت ضغط السياسة الخارجية الاميركية – إلا أن استراتيجية العزلة هذه قد فشلت، حيث يستضيف هذا البلد الملايين من اللاجئين العراقيين الذين هربوا من بلادهم التى اصبحت ضحية لتدمير منظم منذ حرب الخليج الاولى (1991) وحتى الاحتلال الامريكى. أما لبنان فلم يسبق أن تعافى كليا منذ 17 عاما من الحرب الأهلية، ودولته مهددة الان اكثر من اي وقت مضى مع العملية المؤسسية المتكررة للبحث عن اتساق دستوري. وبغض النظر عن الاحتلال ومأساة النكبة، فإن فلسطين تواجه تجربة جديدة مؤلمة مع الصراع على السلطة والمواجهات الداخلية. اما اسرائيل فقد ضللت تماما من قبل طبقة سياسية فاسدة لم تتمكن من ايجاد مستقبل بديل لسكانها بعد فشلها عسكريا وسياسيا في هزيمة حزب الله في الحرب الاخيرة في لبنان (تموز / يوليو – آب / اغسطس 2006) وحماس في فلسطين. أما مصر وليبيا فيتشاركان مستقبلا سياسيا غير مضمون للغاية، طالما ظل مغلقا في سلطة سياسية متوارثة، مما دعى الصحافيين العرب لاطلاق مصطلح "جملكة" )دمج كلمتي (الجمهورية) و(المملكة)". تونس لا تزال على الارجح أكثر النظم أحادية (كما أشاد بذلك ساركوزي) في حين أن معارضتها الإسلامية قد تكون اكثر الحركات الديمقراطية وغير العنيفة في العالم العربي. الجزائر، الغنية بعشرات المليارات من عائدات النفط والغاز، هي مسرح لأعمال شغب بسبب الجوع في المناطق الحضرية، وما زالت غير قادرة، بعد  مرور 45 عاما من استقلالها، على بناء المساكن والمستشفيات والطرق والسكك الحديدية لشعب محبط يحلم بالرخاء والحرية والأمن. نزاع الصحراء الغربية أدى إلى خلق 30 سنة من التوتر مع الجار المغربي، الذي لا يزال، على الرغم من عملية ديمقراطية واعدة، مملكة ظلم اجتماعي يتمتع عدد قليل جدا من مواطنيها بالحد الاقصى من الحقوق، الامتيازات، السلع، ورأس المال.

على الجانب الشمالي من البحر الأبيض المتوسط، اسبانيا وايطاليا ما زالتا حساستان للغاية لأيديولوجيات اليمين التي تعتبر الجنوب هو أصل كل الأخطار. وفرنسا، المحكومة من قبل ساركوزي، تسعى لجمع هذا الشمل الغريب والمتباين من الدول التي تبدو أشبه بنادي سياسي يجمع حكام شعبيين ومتسلطين اكثر من أي شيء آخر.

مفارقات مربكة ومستمرة؛ عندما تسعى اوروبا الى التوحد، وتشجع حرية انتقال البضائع والافراد داخل الفضاء الشنغن، فهي بذلك تعزز على نحو متزامن اغلاق حدودها. الاتحاد المتوسطي والذي سيحتضنه الاتحاد الاوروبي هو مشروع افتراضي لمن يرغبون في الحفاظ على شعوب، من جبل طارق الى مضيق البوسفور، في نفس مستوى النظام السياسي المزدوج، وفي معظم الحالات، مع حكام لا يتمتعون بأي شرعية سوى الدعم الهش لهم من المستشاريات الأوروبية. وبينما يطالب القادة السياسيون الاوروبيون حكام جنوب المتوسطي بأن تأتي الشعوب في المرتبة الاولى وهم في المرتبة الثانية، نجد الأمر في الحقيقة معكوسا بمجرد النظر لطبيعة النظام السائد في اوروبا.

تتجذر فكرة الاتحاد هذه في انكار اوروبا للوجود التركي، في انكار الديمقراطية المشروعة التي يطمح اليها سكان جنوب المتوسطي، في انكار الهجرة المحتملة للعمال الشباب التي يمكن ان تسهم في اعادة التوازن الديموغرافي لشيخوخة وضعف القوى العاملة الاوروبية. حلم ساركوزي المتوسطي هو تكريس للقصور الجغرافي، انعدام المساواة الجغرافية ، ومونولوجيا الجغرافيا.

وفي الواقع ، فإن سكان المتوسطي اكثر اهتماما بالحداثة القادمة المتمثلة في آسيا من تركيزهم على ما يحدث في اوروبا القديمة. فهم يبحثون فيما يحدث حاليا في منطقة الخليج العربي، حيث تنبثق عدة مدن جديدة ناشئة تشبه البندقية بوصفها مراكزا للأعمال التجارية والدبلوماسية الدولية. كما تنبثق ايضا عدة تجمعات حول مسطحات مائية شبيهة بالمتوسطي في دول الخليج العربي، في المحيط الهندي وما وراء مضيق ملقا. المستقبل قيد الانشاء في هذه المناطق، فمن سيكترث بالمتوسطي؟

والحقيقة أن شعوب المتوسطي ليست في حاجة إلى اتحاد سياسى، حيث ان هذا الاقتراح يأتي بعد فوات الاوان أو من السابق لأوانه؛ فمقترحيه ومستشاريه ليس لديهم نهج انساني، ولا يتمتعون بثقل فكري أو بصيرة سياسية تخولهم لإعادة التفكير في أعرق مهد للأديان والثقافات والحضارات.

رضا بن كيران 

Print Friendly, PDF & Email
Partager - Share - شاركTweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on Google+Share on FacebookEmail this to someonePrint this page